الجمعة، 22 يوليو 2011

شاكيرنا و شاكيرهم، تشابه الوسائل و اختلاف الغايات


سوف أتجاهل طول أسماء الكُتاب و دوافعهم للكتابة، ليس لأننا لا نملك فائضا من الوقت لمناقشها فحسب، بل لتعارضها مع الموضوعية العلمية أيضا، و أبدأ من حيث انتهى أحمد يوسف، و هو متى أختلف عن عدوي؟ لتصبح محاربته منطقية، هل إذا استعملت أسلوب شاكير و كلماته اصبحت مثله؟ أم لابد أن أشاطره أهدافه أيضا؟ أم أيهما فعلت أصبحت مثله؟ و جوهرية السؤال و أهميته، تجعل الإجابة عليه تزيل كثيرا من اللبس، بطريقة أشمل هل الاختلاف بيني و بين عدوي يكون في وسائل تحقيق النصر؟ أم في الغايات التي أرغب في توطينها بعده؟ و إذا امتشق عدوي سلاحا فامتشقت سلاحا تفقد حربي له منطقيتها؟ أليس اللجوء إلى السلاح هو ذاته تشابه مع العدو في وسيلة الحسم؟ أم أنه تشابه لا يتجاوز الوسائل، و تعبير من الجهة الأخرى عن اختلاف حاد في الغايات، إذا اتفقنا على هذه النقطة يمكن الاستمرار و الانتقال للنقطة التالية، و لن أتوقف عند المبادئ، معتبرا أن (شاكيرنا) يريد ليبيا حرة، و (شاكيرهم) يريد ليبيا الطاغية، و شتان بينهما، كما لن أناقش جدوى الوسائل لأن هناك معارك حسمها الإعلام، ليكون السؤال عن سقف الوسائل المباحة لتحقيق المبادئ، و بصفة خاصة في الإعلام، و تحديدا عن جواز تضخيم الحقائق أو حتى تزييفها في الحرب لتحقيق النصر؟ أو اعتباره سلوكا مشينا يجب معاقبة صاحبه؟ أي ما هو إطار الخدعة في الحرب؟ لو وضعنا حديث الرسول صلى الله عليه و سلم في عين الاعتبار، و الذي أباح الكذب في حالة الحرب، و إذا سلمنا أن "الثوار يكذبون" هل سوف تتغير الصورة لو عرفنا على من يكذبون و لماذا؟ إلى هنا تعتبر الأسئلة وجيهة و تحتاج إلى إجابات من المتخصصين، يبين بها الفقهاء رؤية الدين في خداع الحرب، و يبين الإعلاميون ضوابط إعلام الحرب، لإصدار حكم ضد من يضخم الحقائق أو يزيفها وفق مرجعية محددة، إما لارتكابه خطيئة دينية أو خروجه عن المعايير المهنية، بما فيها أنه لا يجيد الكذب. و لكن يجب أن لا نحاكمه خارج السياق، و نحاسبه وفقا لمرجعية ليبيا الحرة، لأنها مازالت تخوض حرب تحرير، و لم تصبح حرة بعد، بل إن حالة الحرب هي التي تمنح حتى المجلس الانتقالي- المُطَالَب بقطع ألسنة الكاذبين- شرعيته الثورية، و هو ما لا يتفق مع ليبيا الحرة ذات الشرعية الانتخابية، لو أن شرط التحرر كان متوفرا، إلا إذا كان هناك من يرى أن تحرر قريته يعني تحرر ليبيا. و عليه يكون الأجدر إن لا نحاكم الأخرين باسم ليبيا الحرة بل نسئل أنفسنا عما يعيق تحريرها، هل هو و جود إذاعة تخبرنا بمكاسب لا وجود لها؟ أم لأننا نخسر عقول مثقفينا أما زحف كتائب الأفكار المربكة؟ و نخسر أرضا داخل المدن المحررة ذاتها -المدارس و المستشفيات- أمام زحف كتائب الانتهازيين؟

من جهة أخرى قد يضاف لمعضلة السياق، معضلة عدم التمييز بين الأدوار المختلفة، كالتمييز بين دور الإعلامي و السياسي و حتى المقاتل، فتجد البعض يخلط - و هو يقيس- بين دبلوماسية السياسي، و فضول و جرأة الإعلامي، و واقعية المقاتل، فتجده يطالب الإعلامي بأن يسلك مسلك السياسي، و لو أنه طلب من المقاتل أن يسلك مسلك السياسي لأدرك حجم خطأه، و لذلك فإن من يجعل ذائقة القادة السياسيين معيارا للأفعال الإعلاميين، هو في الحقيقة يرتكب خطأ مركبا، و الطامة الكبرى أنه يعود بنا خطوة إلى الوراء، لنكتشف أن تحرر المدن من الكتائب لا يعني أن مرتزقة الأفكار لا تحاصر عقول كُتابها، لأنه يرسيخ فكرة القائد المعلم المهندس الإمام، و القياس على ذائقته، و هو ما عانت منه ليبيا، و أدى لتفجر هذه الثورة، و حتى لو سلمنا إن ذائقات القادة ليست سواء، فذلك سبب إضافي لعدم اتخاذها معيارا، لأن المتغير لا يكون معيارا للثابت، كما فيه تجاهل لاختلاف الأدوار، بين الجالس في غرفة البث عبر الهواء المفتوح، و المفاوض خلف أجندة مطالبه و تنازلاته و الأبواب المغلقة، و أبطال ساحات القتال، و عليه فعدم رؤىة رئيس المجلس مكبرا، أو نائبه مهللا، لا يعني خطأ التكبير و التهليل، لأننا لو تخيلنا-بما أن مملكة الخيال لا يحرسها العقل- أن المقاتل يخطئ عندما يخالف ذائقة القائد السياسي، سنقع في مغالطة، فنحن نرى المقاتل يصوب سلاحه نحو عدوه ليحقق نصرا، و لكننا لم نرَ رئيس المجلس و هو يصوب بندقية تجاه فرانتيني أو يدعو نائبه لرجم سويسرا للحصول على اعتراف بالمجلس، فهل ذلك يعني أن على المقاتلين ترك أسلحتهم و ارتداء ربطات عنق لإرغام الكتائب على الانسحاب، أو العودة لبيوتهم لأنهم يفعلون ما لا يتفق مع ذائقة القادة، و انتظار أن يبين لهم كفارة ما أسلفوا। و أخيرا ما لا أستطيع فهمه هو قفز البعض بين الخنادق ليصل إلى الخندق المقابل ليتسامح مع من يقابلونه بالقذائف، و هم يهتفون بمعية الله مع الطاغية، و يعجز عن التسامح مع من يقفون معه في ذات الخندق، لمجرد أنهم عند سماع صوت القذائف يذكرون اسم الله فقط. و لا يعني ذلك أن نطلب من أحد النباح، لا العصافير، و لا حتى أفراد الكتائب، ليس لأنهم لا يجيدونه، أو لعدم حب سماعه، بل لأن للعصافير فرصة أن تغرد، و لأفراد الكتائب فرصة لأن يهتفوا باسم الله و الوطن و الشعب.

و أخيرا هذا الإعلام مرتبط بحالة الحرب ينتهي بنهايتها فلو وصل إلى المرحلة التي يخرج فيها الليبيون للتصويت في الانتخابات فلن تجد أي منهم يفتح المذياع ليعرف اين وصل الثوار و لن تسمع تكبيره أو تهليله حتى لو أخبره ذلك الإعلام بأن الثوار يسيطرون على البوابة الغربية للمريخ و يزيلون الألغام من الطريق المؤدي لزحل

الاثنين، 18 يوليو 2011

الثورات بين تضحيات الأبطال و نرجسية القادة


كثيرة هي التناقضات التي كرستها الفوضى السابقة، و عانى منها الشعب الليبي بشكل كبير، و نذكر منها "السلطة و الثروة و السلاح بيد الشعب" و ليس التناقض في غياب السلطة و الثروة و السلاح، بل تتجلى و تبلغ قمتها في تغييب الشعب نفسه، و لكن أبرز هذه التناقضات و أكبرها هي متناقضة (قائد الثورة)، ليس فقط من الناحية العملية، حيث تشبثه بمنصب يدعي عدم إمتلاكه حال دون انتقال سلس إلى الديمقراطية، بل الأهم هو الناحية المنطقية، حيث تعتبر جملة "قائد الثورة" جملة غير مفيدة أصلا و متناقضة ذاتيا، لأن الثورة هي تغيير جوهري يقوده المجتمع ذاته، و ذلك عندما تسود حالة من الوفاق الضمني بين كافة أطيافه، أي أن الثورات لا قادة لها-و هي خلاف الانقلابات- و كما قال(بردون) "ليس للثورات مشرعون إنها تأتي عندما يومئ القدر، فهي لا تحدث بأمر من سيد يبشر بنظرية جاهزة، لأنها ليست ثمرة عمل شخص بمفرده" ما يوضح أن حقيقة وجود قائد للثورة ما هي إلا أكذوبة روجت لها السلطة الانقلابية لأكثر من أربعين عاما.

المشكلة أن قائد الثورة ليس له نموذج ثابت-على الرغم من عدم منطقية وجوده- إذ يمكنه أن يعيد تشكل نفسه و يتجلى في أشكال عدة- و إن كانت أقل خطرا- إبتداء بمن خرج و ألقى حجرا لربما لم يصب أحدا، مرورا بمن التصق بإتلاف أو اتحاد أو نصب نفسه متحدثا باسم خيمة اعتصام، انتهاء بمن ركب موجة لجنة منبثقة عن مجلس محلي، ثم وقف منتظرا أن يتصدر اسمه نشرات الأخبار بوصفه قائدا و بعلا للثورة، و أبا لكل الانتصارات جميعا، حتى التي ولدت قبل بلوغه الحلم، أما لو حاول غيره أن يتحدث عن قائد مزعوم أخر، فتلك هي الطامة الكبرى، فقد تصل النرجسية بالقائد إلى حد التهديد بإسقاط الشرعية عن الثورة، من خلال إنكار فحولته لها، لأنها مباحة لكل الفحول، لتصبح الانتصارات بعده سفاح، متجاهلا أن الشرعية تمنحها الثورة لمن يلتحق بجموعها و ليس العكس، بأن يمنح شخص أو جهة الشرعية للثورة.

و لكن هل قدر الثورات أن تتجاهل الأفراد و لا يكون لهم دور فيها لكونها مجرد تغيير تقوده الجموع؟ و هل يحول زحف الجموع و ديكتاتوريتهم دون بروز الأفراد؟ و ذلك خوفا من ولادة أكذوبة جديدة اسمها قائد الثورة، أم للأفراد صورة إيجابية يمكنهم الضهور بها دون إثارة ضغائن الجموع؟ و دون ركوبهم إلى حد سحقهم بحجة الحفاظ عليهم، قطهعا يمكن للأفراد أن يكونوا جزءا من الثورات، بل هناك أشكال كثيرة يظهر بها الأفراد في الثورات، يمكن أن تكون البداية تفجير الثورات ذاتها، فقد تفجر الثورة استغاثة مرأة أو صورة طفلة تبكي رغم بساطة الحدث، و ليس إحراق البوعزيزي نفسه عنا ببعيد، كما أن الثورات عادة ما تفرض واقعا جديدا، و تنتج مجموعة جديدة من المطالب و الأهداف السياسية و العسكرية و الاقتصادية، و حتى تتبلور تلك المطالب و الأهداف تحتاج إلى من يقود المطالبة بها، و بالتالي يولد خلال الثورات قادة سياسيون لتحقيق الأهداف الساسية مثل جيفرسون، و قادة عسكريون لتحقيق الأهداف العسكرية أمثال نابليون، خلاصة القول أن الثورأت ليس لها قادة و لكنها تقود الجميع، تقود الجميع ليكونوا أبطال، و لكنهم غالبا لا يملكون الوقت للتفاخر ببطولاتهم و يتركون ذلك للتاريخ.

الأحد، 17 يوليو 2011

ملك ملوك الشطرنج و مرتزقة الفضاء


هناك طرق عدة يمكن أن يفهم بها لقاء القذافي مع رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، و اللعب معه، و طرق الفهم منها ما يتعلق بالشخصيات و منها ما يتعلق باللعبة، فالشطرنج لعبة تعلم من يلعبها أن يواجه خصوما يساوونه عدة و عتاد، و لا يتوقف حد التساوي عند عدد الجنود و القلاع، بل يتجاوزه إلى المساواة في التحركات، لكي يقابل كل حركة يقوم بها لبيادقه، حركة مثلها لخصمه فيحرك بيادقه هو أيضا ردا عليها، و هو ما يعلم من يلعب الشطرنج التفكير أبعد من الخطوة التالية إلى ما بعدها، كما تعلم اللعبة التواضع، خاصة إذا كان من يلعبها ملكا، لأن الملك لا تختلف قدراته عن قدرة الجنود، فجميعهم يملكون مربعا صغيرا، و لا يستطعون التقدم أكثر من خطوة واحدة، مع فارق بسيط بأن الجندي لا يرجع للوراء و فقدانه لا ينهي اللعبة. و أتمنى أن يكون القذافي قد تعلم شيئا من اللعبة، قد تعلم مواجهة خصوم مساوين له، و هو ما لم يقم به أبدا، فكل مواجهاته كانت مع دول أفريقية مثل تشاد أو ضد الشعب الليبي الأعزل، أو تعلم تواضع الملوك، بحيث يخاطب الأخرين على أنهم بشر مثله، و ليسوا جرذانا أو مدمنيين، أو تعلم حق الأخرين في الرد، لا أن يكون هو الفاعل الوحيد و من حقه قمع الأخرين دون أن يردوا عليه، أو تعلم التفكير خارج أسوار حصونه، ليعرف أنه جزء من عالم بدأ يتغير. أتمنى أن يكون قد تعلم كل هذه القيم لأن عقله يبدو خاليا منها تماما.

أما فيما يخص الأشخاص فالقذافي شخص مليء بالتناقضات و التصرفات الغريبة، و التي من أهمها العناد، فكما يريد أن يهزم بأسلحته القديمة حلف الأطلسي، يحاول بغبائه أن يهزم- في لعبة الشطرنج- رئيس الاتحاد الدولي للعبه، و هو الذي لا يقل غرابة و تناقضا عن القذافي، ألا و هو رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، لأنه يدعي اتصاله بمخلوقات فضائية، و هنا تبرز مصلحة مشتركة بينهما، فالقذافي و نتيجة لفقده تعاطف كل سكان الأرض يسعي إلى جلب مرتزقة من الفضاء، من خلال وسيط على صلة بهم و هو رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، و في ذات الوقت يسعي رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج إلى الاتصال مع مخلوقات باطن الأرض- نظرا لاختباء القذافي في دهاليز تحت الأرض- بعد أن أشبع رغبة بالاتصال بمخلوقات الفضاء.

و قد يكون للقذافي مأرب أخرى كعادته، و يتمنى بعد أن تخلى عنه ملوك أفريقيا، أن يعوض نفسه بلعبة الشطرنج، فلربما يتفق الملكان اللذان يتقسمان رقعة الشطرنج لينصبانه ملكا عليهما، ليصبح ملكا لملوك الشطرنج، أو يستخدم وزراء اللعبة ليعوض النقص الحاد الذي تعانيه حكومته، بعد أن أنشق عنه وزراؤه، فهو في أمس الحاجة لوزير يحركه كما يريد، أو أنه بعد فقدانه السيطرة على جنوده يعزي نفسه بتحريك بيادق اللعبة، كما قد يستخدم قلاع اللعبة بعد أن دكت قلاعه، أو ربما يروح عن نفسه بأنه مازال قادرا على تحريك شيئ و لو كان بيدقا، و مازال يملك أرضا حتى و إن كانت لا تتجاوز حدود طاولة الشطرنج، أو لعله يستخدم رمزية العبة ليوجه رسالة مشفرة للعالم، يخبرهم فيها أنهم يدمرون الجنود و يسقطون الوزراء، و لكن الملك مازال موجودا، ما يعني أن اللعبة مازلت مستمرة لآنها لا تحسم إلا بسقوطه.

بصفة عامة لا يمكن استبعاد أي احتمال حتى و لو كان ساذجا، فقد تكون الأسباب مختلفة تماما، و أن سبب اللقاء هو وقوع الطيور على أشكالها و المجانين على أشكالهم، أو قد يكون استشارة قمعية، لأن رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج يملك صفة سياسية في روسيا، و يتوقع أن تقوم ثورة ضد النظام الروسي، و يريد أن يستفيد من خبرة القذافي في القمع ليدله على أفضل سبل الانتقام و التنكيل، أو العكس حيث يريد القذافي أن يستشير رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج عن أقصر الطرق لهروب الملك، بعد أن حاصرته البيادق، و بعد أن فشلت شركات العلاقات العامة و تجنيد المرتزقة في توطيد حكمه، أو أنه يبحث عن أي منفى حتى و لو كان رقعة شطرنج بشرط أن تغير قوانيين اللعبة ليحصل الملك فيها على سلطات أكبر.

الجمعة، 15 يوليو 2011

السكوت لم يكن يوما علامة الرضا


لقد تبين أن الضغط يولد الإنفجار هي قاعدة لا استثناء لها، حتى و لو كان الضاغط هو حاكم عربي لشعبه، بعد انهيار الاستنثاء الوحيد- و هو الشعوب العربية- الذي كاد أن يتجاوز حد الاستثناء مهددا بسقوط النظرية برمتها، كما تبين أيضا أن السكوت لم يكن يوما علامة الرضا، كما فسر الحكام العرب صمت شعوبهم، فازدادوا ظلما كلما زادت شعوبهم صمتا، حتى صرخت تلك الشعوب- و هي الدليل الوحيد- مطالبة برحيلهم، و ذلك على لسان شبابها الذي خرج فجأة و دون سابق إنذار أو الحاجة إلى قيادة تؤطر مطالبهم، و هو ما أكسبها مرونة ابتلعت الأنظمة ذاتها، ينشدون مستقبلا يظمن حياة كريمة، و هي مطالب لا تحتاج إلى معرفة رأسمال ماركس أو ثروة أمم آدم سمث، مما جعل الثورات العربية تتفق في كونها ردة فعل مفاجئة من الشعوب تجاه حكام أمعنوا في ظلمهم، كما أنها شعبية لا قيادة حزبية أو ثقافية لها، لأن الأنظمة العربية غيبت أو همشت الأحزاب، تماما كما فعلت مع القيادات الثقافية، حيث خيرتها بين التحول لأبواق للسلطة أو الغياب القصري، و هو ما جعل مطالبها لا تتوقف عند سقف بعينه، تحدده مسبقا أيديولوجيا قياداتها، بل تنمو كلما سقيت بدماء المطالبين بها، حيث بدأت بمحاولة إصلاح الأنظمة و حين تعنتت أنتهت بإسقاطها و محاكمتها، ما يبين أنه لم تكن الثورات وحدها المتشابهة بل تشابهت الأنظمة أيضا، حيث اتهمت جميعها جهات أجنبية بالوقوف خلف الثورات، و غرضها التقسيم و السيطرة على الثروات، مما أباح لها-أي الأنظمة- استخدام القوة المفرطة ضدها، بعد أن فشلت التنازلات التي لو أبكرت بها يوما واحدا لجنبت نفسها و شعوبها هذا المصير.
و لكن ذلك التشابه لم يحل دون وجود تباينات كثيرة، في جوانب محددة، و كانت الثورة الليبية هي المثال الأكثر اختلافا و غموضا، و غموضها لا يأتي من كونها جاءت بعد أربعين عجاف، و أنها ضد أقدم حاكم مد جذوره في الحكم، و أنه أكثر هلامية و طرافة، بل في كونها تجاوزت حد الاعتصام و التظاهر في الساحات و الميادين العامة، و اتجهت نحو ساحات القتال، مستبدلة الأعلام و اللافتات المنددة بالبتادق. و حجر الزاوية في هذه المقارنة هو ما أشيع في معظم وسائل الإعلام -على رأسها إعلام السلطة- أن ثورة شباب ليبيا لم تكن سلمية، أي أنها لم تطالب بإصلاحات، هي في أحسن الأحوال تمرد مسلح، يهدد الوحدة، و في الأسوء هي حركة قادها متعاطون للمخدرات، يبدو أنهم غيروا نوع أو كمية التعاطي حتى قاموا بفعلتهم الآن.
و السؤال الذي يجب طرحه هو هل الأختلاف كان في فكر و مطالب الثوار؟ حيث انتهت ثورتهم إلى هذه النتيجة، أم أن الاختلاف كان في الحكام الذين قامت ضدهم الثورات؟ و الإجابة بسيطة جدا، و الفوارق واضحة لا تخطئها عين عابرة، حيث تواجدت في النموذج التونسي و المصري نُظم تقوم على مجموعة من المؤسسات حتى و لو كانت في مجملها شكلية، كما كانت المواجهة بين الشعب و الشرطة و التي بطبيعتها لا تملك راجمات و طائرات و دبابات، بمعنى أن المؤسسة العسكرية كانت محايدة إن لم تقف بجانب الشعوب، و لعل غياب هذه المؤسسة كان السمة البارزة في النموذج الليبي، حيث تم سد ثغرة غياب المؤسسات الأخرى بتكوين المجلس الوطني، لكن غياب المؤسسة العسكرية هو صلب الأزمة، حيث لم تغب تلك المؤسسة فقط، بل أستبدلتها السلطة بكتائب أشبه بالعصابات تم تطعيمها بالمرتزقة تدين بولائها لشخص أو عدة أشخاص، و ذلك الشخص أمرها بتوجيه أكثر أسلحتها فتكا تجاه صدور المدنيين، ما دفعهم لحمل السلاح دفاعا عن أنفسهم. و كل هذا جعل النموذج الليبي هو النموذج الوحيد الذي يصدر له قرار من مجلس الأمن، و تتكون له مجموعة اتصال، و تصله مساعدات إنسانية، و تتكون مؤسسة موازية هي المجلس الوطني لسد الفراغ بعد انهيار السلطة، و الأهم من كل ذلك هو سقوط آلاف الشهداء بدلا من المئات مقارنة بالنموذجين التونسي و المصري، إذ لم يمنح ثوار ليبيا فرصة لأن يهتفوا بسقوط النظام، لغيابه أصلا، و وقوفهم أمام سلطة تكسب شرعيتها بالضغط على الزناد، مما أجبرهم على إسقاطها بالضغط على الزناد أيضا.

الخميس، 14 يوليو 2011

من أنتم؟ وجاهة السؤال و وضاعة السائل



لا أستطيع أن أنكر أن سؤال أبطال ثورة 17 فبراير - و هم جموع الشعب الليبي- عن كينونتهم، هو سؤال عظيم، و لكن عظمة السؤال لا يمكن إسقاطها على سائله، بل على العكس تماما حيث تشير كل الدلائل على أن السؤال على النقيض من السائل، و في كل الأحوال و رغم السمو عن السائل، لابد من الإجابة و بسرعة عن سؤاله، و لنا في نبي الله موسى أسوة حسنة، ألم يسأله فرعون "وما رب العالمين" فرفعة المسئول و سمو السؤال بسمو المسئول عنه، يكفيان لتجاهل وضاعة السائل، و هو النهج الذي يجب أن ينتهجه كل مواطن ليبي حيال سؤال القذافي في أحد خطاباته التي لا أشغل نفسي بعدها، من أنتم؟ و ما قلته عن عظمة السؤال يمكن أن نسقطه على الإجابة أيضا و التي لا أرى أنها ستكون سهلة.
تجدر الإشارة إلى أن عظمة السؤال ليست العقبة الوحيدة التي تجعل من الإجابة عليه صعبة، بل يضاف إليها طريقة إدارة القذافي لليبيا طوال فترة حكمه القائمة على التهميش حينا و الضبابية حينا أخر، و التي ساهمت بشكل فاعل في فقدان الليبيين لهويتهم و التي لم تتبلور بشكل ممنهج بعد، لقرب فترة إستيلاء القذافي على السلطة من تاريخ استقلال ليبيا و بداية تكوين مؤسساتها، و لكن كل ذلك لا يبرر كما لا يجنب الليبيين الصدمة في أنهم سوف يصبحون - بعد أربعين عاما من حكم القذافي لهم- حتى لو وضعنا في الاعتبار كافة قوانيين التطور، مجرد جرذان، و أن خروجهم في مظاهرات عارمة لم يكن طلبا للحرية - وفق وجهة نظر القذافي- بل هو مجرد بحث اعتباطي عن قطعة جبن قد لا تكون موجودة أصلا، و هو ما يبرر قتل الجرذان بدل إعطائها الجبن، لأن الجبن أكثر أهمية من الجرذان.
و مازلت أصر على مراجعة إجابات الوضيع عن سؤاله الرفيع، و بما أننا لسنا جرذان، فهل نحن مدمنو مخدرات و حبوب هلوسة؟ و لكن لماذا لم نتحرك منذ بداية التعاطي؟ فهل اصبحت المخدرات- في عهد سيادته- أكثر جودة و مفعولا، و لماذا لم تحدث ثورات مشابهة في كولومبيا و إفغانستان لرواج المخدرات فيها. أما أننا من ملتحي القاعدة، على الرغم من أنني لم أجد تعريفا محددا للقاعدة، و كم تمنيت أن يطرح هذا السؤال على القذافي بل على المخابرات الأمريكية نفسها، ما هي القاعدة بالتحديد، حتى نتجاوز التعريف السطحي المحدد باللحية و الصلاة و قراءة القرآن، و هل لو كنا قاعدة سوف يتحالف معنا القذافي؟ أما أننا عصابات مسلحة تتلقى دعما دوليا لكي تسيطر على ثروات ليبيا التي تحصل على نصيبها منه دون هذا العناء؟
خلاصة القول لابد أن يعرف العالم من نحن، فهو لا يعرف عن ليبيا إلا ما يعرفه عن القذافي، فالليبيون جميعا كانوا مجرد نكرة، فهل سئلنا أنفسنا من نحن؟ بل و سئل كل واحد منا من هو؟ و ما هو دوره؟ دعونا ننسى مرحلة الهيجان و الغضب بكل ما فيها، و لابد من مصارحة أنفسنا بأننا مقصرون في هذا الجانب، و لا أستثني هنا حتى أعضاء المجلس الانتقالي، بل حتى من انشق منهم عن سلطة القذافي، فلم يبذلوا قدرا كاف من الجهد للتعريف بأنفسهم، و باستثناء بعض وجوه المعارضة في الخارج، فإن الجميع مقلون في الضهور الإعلامي، في ضل غياب شبه تام لأي استراتيجية- معلنة على الأقل- في الجوانب الاقتصادية و الأمنية و الإنسانية، دع عنك جانب مهم و هو العسكري، حيث تنتزع منهم الوكلات الإعلامية التصريحات انتزاعا مما يجعل تصريحاتهم تضهر مرتبكة و غير منظمة، بل قد يغيبون تماما فتخلو الساحة لشاهد عيان، الذي يسأله المذيع عن أجدابيا فيبادر بإجابته متلهفا عن زمن وصوله إلى باب العزيزية.

الجمعة، 16 يوليو 2010

بمناسبة مهرجان الراحل فضل المبروك رحمه الله
إلى زملائي و أصدقائي و إخوتي أعضاء منتدى أماسي البيضاء

هنيئا لكم هذا النجاح التنظيمي في بادرة غير مسبوقة

و بدايةً أود أن أقول لكم أنكم استطعتم و بإتقان إزالة الفواصل بين المقابر و المساكن، حتى صار الموتى يتجولون بيننا فرحين سعداء، بل إن بعضهم أكثر حضورا من الأحياء و لا يعني ذلك أني أستطيع الجزم بالقدرة على التمييز بين الأموات و الأحياء، و هو ما صنع ألفة غير منطقية مع الموت، و كعادة المتآلفين فقد أزالت تلك الألفة رهبة الموت من قلبي، فلماذا أخاف الموت و الأموات حاضرون بهذه الكثافة و التألق، و كل ذلك لأنكم أعدتم صياغة معايير الخلود و شروطه، إذ لا يشترط أن تكون سلطانا جائرا أو ثريا مبذرا لتنال الخلود، يكفي فقط أن تكون صادقا في مدينتي لتحجز لكل مكانا دائما في ذاكراتها.

فإذا كان في ظل هذه العولمة و تطور وسائل الإعلام و طغيان نجوم كرة القدم و نجمات الأغاني الهابطة، و البطلات الحسناوات و الأبطال مفتولو العضلات للمسلسلات التركية، استطاعت المدينة أن تتذكر شاعرا بهذا الحضور، فذلك إن دل على شيء فهو يدل من جهة على قفزة ثقافية و رقي يتجاوز حالة نمطية قوامها رؤية المطرب و نسيان الشاعر، و رؤية الممثل و تجاهل المخرج و الكاتب، و تقديس الصورة و كأن المصور لم يكن، و تدل من جهة أخرى على وفاء منقطع النظير، وكل ذلك يدفعني لأني أحد أبناء هذه المدينة إلى أن أردد هنا عبارة شارلي شبلن الشهيرة "سأموت و أنا مطمئن للخلود".

إن حدثا كهذا يكفيني شرف أن أكون حاضرا فيه لأقول مفتخرا" إني كنت جالسا هناك" و لقد زادني زملائي شرفا ثان أعظم إذ سمحوا لي بالمشاركة، حتى و لو كانت مصرع من شطر من بيت، لأنها سوف تقال في حضور هذا المشهد الثقافي المتنوع من كتاب و مفكرين و شعراء سعدت بلقائهم، حيث كنت قبل اليوم أسمع عنهم و أقرأ لهم فقط، و هذا ما منحني فرصة الافتخار قائلا "سُمعت هناك"، و حقيقة لا أستطيع تخيل ما يشعر به زملائي (أعضاء منتدى أماسي البيضاء) حيث أتيحت لهم فرصة نيل شرف ثالث أعظم بكثير، و هو أنهم يستطيعون القول "إننا نحن من صنعنا الحدث" فهم من جمعوا بين الجالس المتلقي و الواقف الملقي، لأنهم كانوا وراء هذا الحفل متسلحين فقط بالإصرار، فنالوا بذلك كل شرف ممكن النوال.

عذرا لأني لا أملك قصيدة تتوافق مع المناسبة، بل إن الكلمات التي تكتب من أجل مناسبة أجدر أن لا تكتب، لأني لا أؤمن أصلا بأن القصائد تنظم للمناسبات، بل على العكس تماما هي تنظم من أجل تجاوز الوقت، لأنها تنظم من أجل الخلود، أليس الراحل الخالد بيننا هو شاعر قال قصائده التي تردد الآن في مناسبة لم تنظم من أجلها، و لكن ذلك لا يحول دون إيماني بأن هناك أوقات رائعة تحيل كل ما فيها إلى شيء رائع، و لذلك سوف تجدون أن كلماتي رائعة و لا يعني ذلك أنها كذلك، فلو استمعتم إليها بالأمس لوجدتموها مملة و لو أتيح لكم فرصة سماعها غدا فلن تفعلوا لأنها بلا معنى، إنها رائعة فقط لأنكم تسمعونها الآن لأنها امتزجت بهذه اللحظات الرائعة بحضوركم.


عبد الله علي عمران

الثلاثاء، 22 يونيو 2010

يليق بمثلها الغزل


سَيَمْضِي الخَــــوْفُ وَ الوَجَــلُ و يأتي بوصلها الأمل

فَلا حُسْـــــنٌ يُدَانِيهَــــا وَ لا بَــــــدْرٌ وَ لا زُحَـــــــــلُ

وَ سِحْـــــرُ النَّفْــسِ تُرْسِلُهُ إلى أَرْوَاحِـــــــنَا المُقَــــــلُ

تُضِيءُ الكَـونَ بَسْمَتُــهَا وَ يَكْسِـــفُ شَمْسَـــهُ الخَجَــلُ

تَغِيـبُ اليومَ عَن عَيْني وَ لَيْــسَ لِوصلــــــهَا سُبُــــــلُ

سِــــوى طَيْــفٍ وَ أحْلامٍ بِضَـــوءِ الصُّبـــحِ تُخْتَــزلُ

وَ أشْــــــــواقٍ تُسَهـــــــدنِي يُذَكّــرني بِهَـــــا الطَّلــــلُ

يُنَاجي بُعْــــــدَها دَمْــــعٌ وَ قَلْـــــــبٌ عَاشِـــقٌ ثَمِـــــلُ

يَزِيْـــدُ القُـــــربُ لَوْعَتَــــهَا وَ نَـارُ الشَّــــوقِ تَشْتَعِـلُ

تَعيش النَّفْــسُ إنْ جاءتْ كَــــــــأنَّ غِيَابَـــــهَا الأجَــلُ

فَلـــو حُبِّــي لهَا بِيْــــــدٌ لَفِيْــــــــهَا تَاهَــــــــتْ الإِبـــلُ

وَ لَـــو شَوْقـــي لهَا لُجُـــبٌ لَغَــــابَ السَّهْــــلُ وَ الجَّبَلُ

لَهَــــا في القَلْـبِ مَنْـــزِلةٌ وَ فِيْـــــــهِ العُــــــذرُ وَ العَذلُ

وَ مِن عينيك قَـافِيــةٌ وَ كُــــــــــلُّ الشِّعِــــر يُرتَجَـــــلُ

وَ لَيْسَ تَكَلُـــــــفاً شِعْــــري وَ لا الأوْزَانُ تُبْتَـــــــــذلُ

فَحُسْــــنُ الرُّوحِ يَجْعَلـــــها يَلِيْــــــقُ بِمثِلـــــهَا الغَــزلُ