شاكيرنا و شاكيرهم، تشابه الوسائل و اختلاف الغايات
سوف أتجاهل طول أسماء الكُتاب و دوافعهم للكتابة، ليس لأننا لا نملك فائضا من الوقت لمناقشها فحسب، بل لتعارضها مع الموضوعية العلمية أيضا، و أبدأ من حيث انتهى أحمد يوسف، و هو متى أختلف عن عدوي؟ لتصبح محاربته منطقية، هل إذا استعملت أسلوب شاكير و كلماته اصبحت مثله؟ أم لابد أن أشاطره أهدافه أيضا؟ أم أيهما فعلت أصبحت مثله؟ و جوهرية السؤال و أهميته، تجعل الإجابة عليه تزيل كثيرا من اللبس، بطريقة أشمل هل الاختلاف بيني و بين عدوي يكون في وسائل تحقيق النصر؟ أم في الغايات التي أرغب في توطينها بعده؟ و إذا امتشق عدوي سلاحا فامتشقت سلاحا تفقد حربي له منطقيتها؟ أليس اللجوء إلى السلاح هو ذاته تشابه مع العدو في وسيلة الحسم؟ أم أنه تشابه لا يتجاوز الوسائل، و تعبير من الجهة الأخرى عن اختلاف حاد في الغايات، إذا اتفقنا على هذه النقطة يمكن الاستمرار و الانتقال للنقطة التالية، و لن أتوقف عند المبادئ، معتبرا أن (شاكيرنا) يريد ليبيا حرة، و (شاكيرهم) يريد ليبيا الطاغية، و شتان بينهما، كما لن أناقش جدوى الوسائل لأن هناك معارك حسمها الإعلام، ليكون السؤال عن سقف الوسائل المباحة لتحقيق المبادئ، و بصفة خاصة في الإعلام، و تحديدا عن جواز تضخيم الحقائق أو حتى تزييفها في الحرب لتحقيق النصر؟ أو اعتباره سلوكا مشينا يجب معاقبة صاحبه؟ أي ما هو إطار الخدعة في الحرب؟ لو وضعنا حديث الرسول صلى الله عليه و سلم في عين الاعتبار، و الذي أباح الكذب في حالة الحرب، و إذا سلمنا أن "الثوار يكذبون" هل سوف تتغير الصورة لو عرفنا على من يكذبون و لماذا؟ إلى هنا تعتبر الأسئلة وجيهة و تحتاج إلى إجابات من المتخصصين، يبين بها الفقهاء رؤية الدين في خداع الحرب، و يبين الإعلاميون ضوابط إعلام الحرب، لإصدار حكم ضد من يضخم الحقائق أو يزيفها وفق مرجعية محددة، إما لارتكابه خطيئة دينية أو خروجه عن المعايير المهنية، بما فيها أنه لا يجيد الكذب. و لكن يجب أن لا نحاكمه خارج السياق، و نحاسبه وفقا لمرجعية ليبيا الحرة، لأنها مازالت تخوض حرب تحرير، و لم تصبح حرة بعد، بل إن حالة الحرب هي التي تمنح حتى المجلس الانتقالي- المُطَالَب بقطع ألسنة الكاذبين- شرعيته الثورية، و هو ما لا يتفق مع ليبيا الحرة ذات الشرعية الانتخابية، لو أن شرط التحرر كان متوفرا، إلا إذا كان هناك من يرى أن تحرر قريته يعني تحرر ليبيا. و عليه يكون الأجدر إن لا نحاكم الأخرين باسم ليبيا الحرة بل نسئل أنفسنا عما يعيق تحريرها، هل هو و جود إذاعة تخبرنا بمكاسب لا وجود لها؟ أم لأننا نخسر عقول مثقفينا أما زحف كتائب الأفكار المربكة؟ و نخسر أرضا داخل المدن المحررة ذاتها -المدارس و المستشفيات- أمام زحف كتائب الانتهازيين؟
من جهة أخرى قد يضاف لمعضلة السياق، معضلة عدم التمييز بين الأدوار المختلفة، كالتمييز بين دور الإعلامي و السياسي و حتى المقاتل، فتجد البعض يخلط - و هو يقيس- بين دبلوماسية السياسي، و فضول و جرأة الإعلامي، و واقعية المقاتل، فتجده يطالب الإعلامي بأن يسلك مسلك السياسي، و لو أنه طلب من المقاتل أن يسلك مسلك السياسي لأدرك حجم خطأه، و لذلك فإن من يجعل ذائقة القادة السياسيين معيارا للأفعال الإعلاميين، هو في الحقيقة يرتكب خطأ مركبا، و الطامة الكبرى أنه يعود بنا خطوة إلى الوراء، لنكتشف أن تحرر المدن من الكتائب لا يعني أن مرتزقة الأفكار لا تحاصر عقول كُتابها، لأنه يرسيخ فكرة القائد المعلم المهندس الإمام، و القياس على ذائقته، و هو ما عانت منه ليبيا، و أدى لتفجر هذه الثورة، و حتى لو سلمنا إن ذائقات القادة ليست سواء، فذلك سبب إضافي لعدم اتخاذها معيارا، لأن المتغير لا يكون معيارا للثابت، كما فيه تجاهل لاختلاف الأدوار، بين الجالس في غرفة البث عبر الهواء المفتوح، و المفاوض خلف أجندة مطالبه و تنازلاته و الأبواب المغلقة، و أبطال ساحات القتال، و عليه فعدم رؤىة رئيس المجلس مكبرا، أو نائبه مهللا، لا يعني خطأ التكبير و التهليل، لأننا لو تخيلنا-بما أن مملكة الخيال لا يحرسها العقل- أن المقاتل يخطئ عندما يخالف ذائقة القائد السياسي، سنقع في مغالطة، فنحن نرى المقاتل يصوب سلاحه نحو عدوه ليحقق نصرا، و لكننا لم نرَ رئيس المجلس و هو يصوب بندقية تجاه فرانتيني أو يدعو نائبه لرجم سويسرا للحصول على اعتراف بالمجلس، فهل ذلك يعني أن على المقاتلين ترك أسلحتهم و ارتداء ربطات عنق لإرغام الكتائب على الانسحاب، أو العودة لبيوتهم لأنهم يفعلون ما لا يتفق مع ذائقة القادة، و انتظار أن يبين لهم كفارة ما أسلفوا। و أخيرا ما لا أستطيع فهمه هو قفز البعض بين الخنادق ليصل إلى الخندق المقابل ليتسامح مع من يقابلونه بالقذائف، و هم يهتفون بمعية الله مع الطاغية، و يعجز عن التسامح مع من يقفون معه في ذات الخندق، لمجرد أنهم عند سماع صوت القذائف يذكرون اسم الله فقط. و لا يعني ذلك أن نطلب من أحد النباح، لا العصافير، و لا حتى أفراد الكتائب، ليس لأنهم لا يجيدونه، أو لعدم حب سماعه، بل لأن للعصافير فرصة أن تغرد، و لأفراد الكتائب فرصة لأن يهتفوا باسم الله و الوطن و الشعب.
و أخيرا هذا الإعلام مرتبط بحالة الحرب ينتهي بنهايتها فلو وصل إلى المرحلة التي يخرج فيها الليبيون للتصويت في الانتخابات فلن تجد أي منهم يفتح المذياع ليعرف اين وصل الثوار و لن تسمع تكبيره أو تهليله حتى لو أخبره ذلك الإعلام بأن الثوار يسيطرون على البوابة الغربية للمريخ و يزيلون الألغام من الطريق المؤدي لزحل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق