السكوت لم يكن يوما علامة الرضا
لقد تبين أن الضغط يولد الإنفجار هي قاعدة لا استثناء لها، حتى و لو كان الضاغط هو حاكم عربي لشعبه، بعد انهيار الاستنثاء الوحيد- و هو الشعوب العربية- الذي كاد أن يتجاوز حد الاستثناء مهددا بسقوط النظرية برمتها، كما تبين أيضا أن السكوت لم يكن يوما علامة الرضا، كما فسر الحكام العرب صمت شعوبهم، فازدادوا ظلما كلما زادت شعوبهم صمتا، حتى صرخت تلك الشعوب- و هي الدليل الوحيد- مطالبة برحيلهم، و ذلك على لسان شبابها الذي خرج فجأة و دون سابق إنذار أو الحاجة إلى قيادة تؤطر مطالبهم، و هو ما أكسبها مرونة ابتلعت الأنظمة ذاتها، ينشدون مستقبلا يظمن حياة كريمة، و هي مطالب لا تحتاج إلى معرفة رأسمال ماركس أو ثروة أمم آدم سمث، مما جعل الثورات العربية تتفق في كونها ردة فعل مفاجئة من الشعوب تجاه حكام أمعنوا في ظلمهم، كما أنها شعبية لا قيادة حزبية أو ثقافية لها، لأن الأنظمة العربية غيبت أو همشت الأحزاب، تماما كما فعلت مع القيادات الثقافية، حيث خيرتها بين التحول لأبواق للسلطة أو الغياب القصري، و هو ما جعل مطالبها لا تتوقف عند سقف بعينه، تحدده مسبقا أيديولوجيا قياداتها، بل تنمو كلما سقيت بدماء المطالبين بها، حيث بدأت بمحاولة إصلاح الأنظمة و حين تعنتت أنتهت بإسقاطها و محاكمتها، ما يبين أنه لم تكن الثورات وحدها المتشابهة بل تشابهت الأنظمة أيضا، حيث اتهمت جميعها جهات أجنبية بالوقوف خلف الثورات، و غرضها التقسيم و السيطرة على الثروات، مما أباح لها-أي الأنظمة- استخدام القوة المفرطة ضدها، بعد أن فشلت التنازلات التي لو أبكرت بها يوما واحدا لجنبت نفسها و شعوبها هذا المصير.
و لكن ذلك التشابه لم يحل دون وجود تباينات كثيرة، في جوانب محددة، و كانت الثورة الليبية هي المثال الأكثر اختلافا و غموضا، و غموضها لا يأتي من كونها جاءت بعد أربعين عجاف، و أنها ضد أقدم حاكم مد جذوره في الحكم، و أنه أكثر هلامية و طرافة، بل في كونها تجاوزت حد الاعتصام و التظاهر في الساحات و الميادين العامة، و اتجهت نحو ساحات القتال، مستبدلة الأعلام و اللافتات المنددة بالبتادق. و حجر الزاوية في هذه المقارنة هو ما أشيع في معظم وسائل الإعلام -على رأسها إعلام السلطة- أن ثورة شباب ليبيا لم تكن سلمية، أي أنها لم تطالب بإصلاحات، هي في أحسن الأحوال تمرد مسلح، يهدد الوحدة، و في الأسوء هي حركة قادها متعاطون للمخدرات، يبدو أنهم غيروا نوع أو كمية التعاطي حتى قاموا بفعلتهم الآن.
و السؤال الذي يجب طرحه هو هل الأختلاف كان في فكر و مطالب الثوار؟ حيث انتهت ثورتهم إلى هذه النتيجة، أم أن الاختلاف كان في الحكام الذين قامت ضدهم الثورات؟ و الإجابة بسيطة جدا، و الفوارق واضحة لا تخطئها عين عابرة، حيث تواجدت في النموذج التونسي و المصري نُظم تقوم على مجموعة من المؤسسات حتى و لو كانت في مجملها شكلية، كما كانت المواجهة بين الشعب و الشرطة و التي بطبيعتها لا تملك راجمات و طائرات و دبابات، بمعنى أن المؤسسة العسكرية كانت محايدة إن لم تقف بجانب الشعوب، و لعل غياب هذه المؤسسة كان السمة البارزة في النموذج الليبي، حيث تم سد ثغرة غياب المؤسسات الأخرى بتكوين المجلس الوطني، لكن غياب المؤسسة العسكرية هو صلب الأزمة، حيث لم تغب تلك المؤسسة فقط، بل أستبدلتها السلطة بكتائب أشبه بالعصابات تم تطعيمها بالمرتزقة تدين بولائها لشخص أو عدة أشخاص، و ذلك الشخص أمرها بتوجيه أكثر أسلحتها فتكا تجاه صدور المدنيين، ما دفعهم لحمل السلاح دفاعا عن أنفسهم. و كل هذا جعل النموذج الليبي هو النموذج الوحيد الذي يصدر له قرار من مجلس الأمن، و تتكون له مجموعة اتصال، و تصله مساعدات إنسانية، و تتكون مؤسسة موازية هي المجلس الوطني لسد الفراغ بعد انهيار السلطة، و الأهم من كل ذلك هو سقوط آلاف الشهداء بدلا من المئات مقارنة بالنموذجين التونسي و المصري، إذ لم يمنح ثوار ليبيا فرصة لأن يهتفوا بسقوط النظام، لغيابه أصلا، و وقوفهم أمام سلطة تكسب شرعيتها بالضغط على الزناد، مما أجبرهم على إسقاطها بالضغط على الزناد أيضا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق