الجمعة، 16 يوليو 2010

بمناسبة مهرجان الراحل فضل المبروك رحمه الله
إلى زملائي و أصدقائي و إخوتي أعضاء منتدى أماسي البيضاء

هنيئا لكم هذا النجاح التنظيمي في بادرة غير مسبوقة

و بدايةً أود أن أقول لكم أنكم استطعتم و بإتقان إزالة الفواصل بين المقابر و المساكن، حتى صار الموتى يتجولون بيننا فرحين سعداء، بل إن بعضهم أكثر حضورا من الأحياء و لا يعني ذلك أني أستطيع الجزم بالقدرة على التمييز بين الأموات و الأحياء، و هو ما صنع ألفة غير منطقية مع الموت، و كعادة المتآلفين فقد أزالت تلك الألفة رهبة الموت من قلبي، فلماذا أخاف الموت و الأموات حاضرون بهذه الكثافة و التألق، و كل ذلك لأنكم أعدتم صياغة معايير الخلود و شروطه، إذ لا يشترط أن تكون سلطانا جائرا أو ثريا مبذرا لتنال الخلود، يكفي فقط أن تكون صادقا في مدينتي لتحجز لكل مكانا دائما في ذاكراتها.

فإذا كان في ظل هذه العولمة و تطور وسائل الإعلام و طغيان نجوم كرة القدم و نجمات الأغاني الهابطة، و البطلات الحسناوات و الأبطال مفتولو العضلات للمسلسلات التركية، استطاعت المدينة أن تتذكر شاعرا بهذا الحضور، فذلك إن دل على شيء فهو يدل من جهة على قفزة ثقافية و رقي يتجاوز حالة نمطية قوامها رؤية المطرب و نسيان الشاعر، و رؤية الممثل و تجاهل المخرج و الكاتب، و تقديس الصورة و كأن المصور لم يكن، و تدل من جهة أخرى على وفاء منقطع النظير، وكل ذلك يدفعني لأني أحد أبناء هذه المدينة إلى أن أردد هنا عبارة شارلي شبلن الشهيرة "سأموت و أنا مطمئن للخلود".

إن حدثا كهذا يكفيني شرف أن أكون حاضرا فيه لأقول مفتخرا" إني كنت جالسا هناك" و لقد زادني زملائي شرفا ثان أعظم إذ سمحوا لي بالمشاركة، حتى و لو كانت مصرع من شطر من بيت، لأنها سوف تقال في حضور هذا المشهد الثقافي المتنوع من كتاب و مفكرين و شعراء سعدت بلقائهم، حيث كنت قبل اليوم أسمع عنهم و أقرأ لهم فقط، و هذا ما منحني فرصة الافتخار قائلا "سُمعت هناك"، و حقيقة لا أستطيع تخيل ما يشعر به زملائي (أعضاء منتدى أماسي البيضاء) حيث أتيحت لهم فرصة نيل شرف ثالث أعظم بكثير، و هو أنهم يستطيعون القول "إننا نحن من صنعنا الحدث" فهم من جمعوا بين الجالس المتلقي و الواقف الملقي، لأنهم كانوا وراء هذا الحفل متسلحين فقط بالإصرار، فنالوا بذلك كل شرف ممكن النوال.

عذرا لأني لا أملك قصيدة تتوافق مع المناسبة، بل إن الكلمات التي تكتب من أجل مناسبة أجدر أن لا تكتب، لأني لا أؤمن أصلا بأن القصائد تنظم للمناسبات، بل على العكس تماما هي تنظم من أجل تجاوز الوقت، لأنها تنظم من أجل الخلود، أليس الراحل الخالد بيننا هو شاعر قال قصائده التي تردد الآن في مناسبة لم تنظم من أجلها، و لكن ذلك لا يحول دون إيماني بأن هناك أوقات رائعة تحيل كل ما فيها إلى شيء رائع، و لذلك سوف تجدون أن كلماتي رائعة و لا يعني ذلك أنها كذلك، فلو استمعتم إليها بالأمس لوجدتموها مملة و لو أتيح لكم فرصة سماعها غدا فلن تفعلوا لأنها بلا معنى، إنها رائعة فقط لأنكم تسمعونها الآن لأنها امتزجت بهذه اللحظات الرائعة بحضوركم.


عبد الله علي عمران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق