الثورات بين تضحيات الأبطال و نرجسية القادة
كثيرة هي التناقضات التي كرستها الفوضى السابقة، و عانى منها الشعب الليبي بشكل كبير، و نذكر منها "السلطة و الثروة و السلاح بيد الشعب" و ليس التناقض في غياب السلطة و الثروة و السلاح، بل تتجلى و تبلغ قمتها في تغييب الشعب نفسه، و لكن أبرز هذه التناقضات و أكبرها هي متناقضة (قائد الثورة)، ليس فقط من الناحية العملية، حيث تشبثه بمنصب يدعي عدم إمتلاكه حال دون انتقال سلس إلى الديمقراطية، بل الأهم هو الناحية المنطقية، حيث تعتبر جملة "قائد الثورة" جملة غير مفيدة أصلا و متناقضة ذاتيا، لأن الثورة هي تغيير جوهري يقوده المجتمع ذاته، و ذلك عندما تسود حالة من الوفاق الضمني بين كافة أطيافه، أي أن الثورات لا قادة لها-و هي خلاف الانقلابات- و كما قال(بردون) "ليس للثورات مشرعون إنها تأتي عندما يومئ القدر، فهي لا تحدث بأمر من سيد يبشر بنظرية جاهزة، لأنها ليست ثمرة عمل شخص بمفرده" ما يوضح أن حقيقة وجود قائد للثورة ما هي إلا أكذوبة روجت لها السلطة الانقلابية لأكثر من أربعين عاما.
المشكلة أن قائد الثورة ليس له نموذج ثابت-على الرغم من عدم منطقية وجوده- إذ يمكنه أن يعيد تشكل نفسه و يتجلى في أشكال عدة- و إن كانت أقل خطرا- إبتداء بمن خرج و ألقى حجرا لربما لم يصب أحدا، مرورا بمن التصق بإتلاف أو اتحاد أو نصب نفسه متحدثا باسم خيمة اعتصام، انتهاء بمن ركب موجة لجنة منبثقة عن مجلس محلي، ثم وقف منتظرا أن يتصدر اسمه نشرات الأخبار بوصفه قائدا و بعلا للثورة، و أبا لكل الانتصارات جميعا، حتى التي ولدت قبل بلوغه الحلم، أما لو حاول غيره أن يتحدث عن قائد مزعوم أخر، فتلك هي الطامة الكبرى، فقد تصل النرجسية بالقائد إلى حد التهديد بإسقاط الشرعية عن الثورة، من خلال إنكار فحولته لها، لأنها مباحة لكل الفحول، لتصبح الانتصارات بعده سفاح، متجاهلا أن الشرعية تمنحها الثورة لمن يلتحق بجموعها و ليس العكس، بأن يمنح شخص أو جهة الشرعية للثورة.
و لكن هل قدر الثورات أن تتجاهل الأفراد و لا يكون لهم دور فيها لكونها مجرد تغيير تقوده الجموع؟ و هل يحول زحف الجموع و ديكتاتوريتهم دون بروز الأفراد؟ و ذلك خوفا من ولادة أكذوبة جديدة اسمها قائد الثورة، أم للأفراد صورة إيجابية يمكنهم الضهور بها دون إثارة ضغائن الجموع؟ و دون ركوبهم إلى حد سحقهم بحجة الحفاظ عليهم، قطهعا يمكن للأفراد أن يكونوا جزءا من الثورات، بل هناك أشكال كثيرة يظهر بها الأفراد في الثورات، يمكن أن تكون البداية تفجير الثورات ذاتها، فقد تفجر الثورة استغاثة مرأة أو صورة طفلة تبكي رغم بساطة الحدث، و ليس إحراق البوعزيزي نفسه عنا ببعيد، كما أن الثورات عادة ما تفرض واقعا جديدا، و تنتج مجموعة جديدة من المطالب و الأهداف السياسية و العسكرية و الاقتصادية، و حتى تتبلور تلك المطالب و الأهداف تحتاج إلى من يقود المطالبة بها، و بالتالي يولد خلال الثورات قادة سياسيون لتحقيق الأهداف الساسية مثل جيفرسون، و قادة عسكريون لتحقيق الأهداف العسكرية أمثال نابليون، خلاصة القول أن الثورأت ليس لها قادة و لكنها تقود الجميع، تقود الجميع ليكونوا أبطال، و لكنهم غالبا لا يملكون الوقت للتفاخر ببطولاتهم و يتركون ذلك للتاريخ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق